صديق الحسيني القنوجي البخاري
430
فتح البيان في مقاصد القرآن
وابن سيرين وهو رواية عن مالك وأحمد بن حنبل وبه قال أبو ثور وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية ، ولقوله تعالى في آية الصيد : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [ المائدة : 4 ] ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره ، وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك وعن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رياح ، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير اللّه ، وهو تخصيص للآية بغير مخصص ، وقد روى أبو داود في المراسيل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ذبيحة المسلم حلال ذكر اللّه أو لم يذكر » وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية . نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري ذكر اسم اللّه عليه أم لا فقال : « سموا أنتم وكلوا » ، يفيد أن التسمية عند الأكل يجزى مع التباس وقوعها عند الذبح ، وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أن التسمية إن تركت نسيانا لم يضر ، وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة ، وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة . واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم اللّه وليأكله » ، وهذا الحديث رفعه خطأ ، وإنما هو من قول ابن عباس . نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] كما سبق تقريره بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » « 1 » . أما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرأيت الرجل هنا يذبح وينسى أن يسمي ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اسم اللّه على كل مسلم » ، فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره . وقال ابن عباس الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المخنقة وغيرها ، وقال عطاء إنها في تحريم الذبائح كانوا يذبحونها على اسم الأصنام .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطلاق باب 16 ، بلفظ : « إنّ اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان » .